الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

75

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وفي ذلك الوضع كان البعض من اليهود حين يتذكرون سلطتهم القوية السابقة ، كانوا يقولون استهزاء وسخرية - إن يد الله أصبحت مقيدة بالسلاسل ( والعياذ بالله ) وأنه لم يعد يعطف على اليهود ! ويقال : أن المتفوه بهذا الكلام كان الفخاس بن عازوراء رئيس قبيلة بني القينقاع ، أو النباش بن قيس كما ذكر بعض المفسرين . وبما أن سائر أبناء الطائفة اليهودية أظهروا الرضى عن أقوال كبار قومهم هؤلاء ، لذلك جاء القرآن لينسب هذه الأقوال إلى جميعهم ، كما تقول الآية : قالت اليهود يد الله مغلولة . . . ويجب الانتباه إلى أن كلمة ( اليد ) تطلق في اللغة العربية على معان كثيرة ومنها ( اليد العضوية ) كما أن معانيها ( النعمة ) و ( القدرة ) و ( السلطة ) و ( الحكم ) ، وبديهي أن المعنى الشائع لها هو اليد العضوية . ولما كان الإنسان ينجز أغلب أعماله المهمة بيده ، فقد أطلقت من باب الكناية على معان أخرى . وتفيدنا الكثير من الروايات الواردة عن أهل البيت ( عليهم السلام ) أن هذه الآية تشير إلى ما كان اليهود يعتقدون به حول القضاء والقدر والمصير والإرادة ، حيث كانوا يذهبون إلى أن الله قد عين كل شئ منذ بدء الخليقة ، وأن كل ما يجب أن يحصل قد حصل ، وأن الله لا يستطيع من الناحية العملية ايجاد تغيير في ذلك ( 1 ) . وبديهي أن تتمة الآية التي تتضمن عبارة بل يداه مبسوطتان - كما سيأتي شرحه - تؤيد المعنى الأول ، كما يمكن أن يقترن المعنى الثاني بالمعنى الأول في مسير واحد ، لأن اليهود حين أفل نجم سلطانهم ، كانوا يعتقدون أن هذا الأفول هو مصيرهم المقدر ، وأن يد الله مقيدة لا تستطيع فعل شئ أمام هذا المصير .

--> 1 - تفسير نور الثقلين ، ج 1 ، ص 649 ، تفسير البرهان ، ج 1 ، ص 486 .